ابن العربي
578
أحكام القرآن
وطريق النظر البديع أنّ القراءتين محتملتان ، وأن اللغة تقضى بأنهما جائزتان ، فردّهما الصحابة إلى الرأس مسحا ، فلما قطع بنا حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ووقف في وجوهنا وعيده ، قلنا : جاءت السنة قاضية بأنّ النصب يوجب العطف على الوجه واليدين ، ودخل بينهما مسح الرأس ، وإن لم تكن وظيفته كوظيفتهما ، لأنه مفعول قبل الرجلين لا بعدهما ، فذكر لبيان الترتيب لا ليشتركا في صفة التطهير ، وجاء الخفض ليبيّن أنّ الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل ، وهما الخفّان بخلاف سائر الأعضاء ، فعطف بالنصب مغسولا على مغسول ، وعطف بالخفض ممسوحا على ممسوح ، وصحّ المعنى فيه . فإن قيل : أنتم وإن قرأتموها بالنصب فهي عطف على الرؤوس موضعا ، فإنّ الرؤوس وإن كانت مجرورة لفظا فهي منصوبة معنى ، لأنها مفعولة ، فكيف قرأتها خفضا أو نصبا فوظيفتها المسح مثل الذي عطف عليه . قلنا : يعارضه أنا وإن قرأناها خفضا ، وظهر أنها معطوفة على الرؤوس فقد يعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما ، كقوله « 1 » : علفتها تبنا وماء باردا * ورأيت زوجك في الوغى « 2 » متقلّدا سيفا ورمحا * . . . . . . . . . « 3 » وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها « 4 » وكقوله : شرّاب ألبان وتمر وأقط تقديره : غلفتها تبنا وسقيتها ماء . ومتقلّدا سيفا وحاملا رمحا ، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها . وشرّاب ألبان وآكل تمر وأقط . فإن قيل : هاهنا عطف وشرك في الفعل وإن لم يكن به مفعولا اتكالا على فهم السامع للحقيقة .
--> ( 1 ) خزانة الأدب : 1 - 200 ، 3 - 125 ، والقرطبي : 6 - 95 ( 2 ) في خزانة الأدب ( 1 - 200 ) : يا ليت زوجك قد غدا . ( 3 ) من بيت للبيد كما في اللسان ( جله ) ، وأوله : فعلا فروع الأيهقان وأطفلت . . . ( 4 ) هكذا في اللسان والقرطبي والديوان 298 . وفي ل : ونعاجها . وفي شرح الديوان : ولا يقال أطفل النعام لأنه يبيض ولكنه ملحق بقوله : أطفلت ظباؤها .